الأسطورة والتراث

غلاف كتاب الأسطورة والتراث

الأسطورة والتراث

المؤلف سيد القمني

  • عدد الصفحات
  • الحجم بالميجا
  • عدد التحميلات
  • عدد القراءات

تمثل الأسطورة تسجيلاً للوعي واللاوعي في آن معاً، وعليه فإن قراءة التاريخ القديم دون الأسطورة، أمر غير تام العملية، باحتساب الأسطورة السجل الأمثل للفكر وواقعه في مواصلة الابتدائية، عندما كان يحاول تفسير الوجود من حوله، ويحاول قراءة الواقع الاجتماعي وتغييره، هذا بالطبع مع ما تنقله لنا الأسطورة من بصمات وانطباعات النفس الجماعية عليها، وهي جماعية لأن الأسطورة لا يمكن لأحد أن يدعي حق تأليفها، فهي مجهولة الأصل والمؤلف، بل وأحياناً المنشأ والتاريخ، ناهيك عن كونها ثقافة أجيال متعاقبة، ظلت تجرح فيها وتعدل، هذا مع عالميتها التي وضحت في قدرتها المبهرة على الانتقال عبر حدود المكان والزمان، وإمكاناتها الهائلة على التكيف خارج وطنها وبعيداً عن زمنها، لتظل حبة لدى شعوب مخالفة تتبناها في أزمته.

من هذا المنطلق تأتي مقاربة الباحث للتراث على ضوء دراسة الأسطورة وتداعياتها، لأنه بالتزام كل شروط العلمية في البحث، يمكن العثور في القديم على كثير مما يفيد قراءتنا لتراثنا وحتى حاضرنا قراءة صحيحة. واهتمام الباحث بالتراث القديم، يعود في المقام الأول إلى احتسابه ذلك هو الطريق الممكن للوصول إلى جذور كثير من الاعتقادات التي توجه فكر وسلوك إنساننا اليوم، وربما تعديل ذلك السلوك، إضافة إلى ما يحمله هذا المنهج من إمكانات، عدم الاصطدام مع عنصر الإيمان، لأن مساحة الحرية المتاحة في مناقشة القديم، بحسبانه ليس محل إيمان وأن كان محل تشابه، لا يضع الباحث في محل تشكيك، ويعطيه قدراً من حرية الحركة، والبحث، والقول، مع ضمان عدم تمكن الطرف الآخر في الصراع الفكري، من استخدام أسلحته التقليدية، في قمع البحث والمصادرة على القول، بل وربما في شل فعاليات، تلك الأسلحة التقليدية ذاتها، وهنا يبدو واضحاً أن علاقة من نوع ما بين الأسطورة والدين تطلب تحديداً وتوضيحاً، ولأن حديث الباحث هو عن التراث القديم، فسيكون من الدقة الإشارة إلى أن ذلك التحديد والتوضيح سيتركز في دراسته هذه على الأديان الابتدائية، والتي وصلت أوج القوة مع ظروف اجتماعية واقتصادية بعينها لم تعد الأسطورة تفي مواكبتها، مما أدى لتجلي الدين كبديل معرفي أشمل وأقدر على المعالجة المعرفية.

هذا وإن ما سعى الباحث إلى رصده وتأكيده، كوجهة نظر خاصة، هو أن الأسطورة لا شك كانت تختلف، عن الدين في مسألة جوهرية، سواء من حيث المنشأ أو الفرض، فهي بعكس الدين نشأت استجابة لحاجات مادية وموضوعية وطبيعية ملحة، مما يشير إلى أن بدايتها سابقة لطور تقسيم العمل ونشوء الطبقة، وإن استمرت زمن تعايش هذا الطور لتنضج بعد ذلك في الرداء الديني.

وكان الغرض منها ليس تسكين أوضاع، أو أن غير المرغوب سينهزم بمجرد تلاوتها كما في الدين، بل على العكس كانت تحفيزاً للعمل وللطاقات البشرية، وشحذاً للهمم لتغيير الواقع وصد أخطار الطبيعة، هذا من حيث موضوع الدراسة، أما منهجها وقد تتبع الباحث في دراسة هذه منهجاً علمياً موضوعياً أدى به إلى نتائج تبدو صحيحة واضعاً نصب عينية وفي المقام الأول علاقة الأسطورة بالدين وبفلسفة الحياة عموماً، وأحوال الإنتاج وبين المجتمع وتغيراته، ولذا فهو معني في دراسته للتراث، بمشكلات وقضايا محددة، متتبعاً تطورها التاريخي، وأهميتها في مجتمعها وعصرها وبيئتها، مع إبراز موقعها في الصراع الفكري ومدى تعبيرها عن خصوصية عصرها وشعبها، مع ربطها ربطاً لا يستفز أحداً بهجوم الحاضر ومشاكل الآن. ملتزماً في ذلك بالأكاديمية البحثية، وصدامتها ودقتها، مع الابتعاد عن صعوبة الاصطلاح وثقل المفاهيم، انطلاقاً من همه ومطامحه العليا في التحرر الوطني والقومي والاجتماعي، وطموحه في هذه المساهمة في فتح باب درس التراث القديم بمنهج علمي يمكنه أن يقدم للجماهير ولحركة التحرر العربية سلاحاً فكرياً في المعركة الفكرية الدائرة الآن. 

سيد القمني من مواليد 13 مارس 1947 بمدينة الواسطى في محافظة بني سويف [1]، معظم أعماله الأكاديمية تناولت منطقة شائكة في التاريخ الإسلامي. البعض يعتبره باحثاً في التاريخ الإسلامي من وجهة نظر ماركسية والبعض الآخر يعتبره صاحب أفكار اتسمت بالجرأة في تصديه للفكر الذي تؤمن به جماعات الإسلام السياسي، بينما يعتبر السيد القمني نفسه وعلى لسانه من على قناة الجزيرة الفضائية إنه إنسان يتبع فكر المعتزلة. وصفه الكثيرون بانه مرتد أو بوق من أبواق الولايات المتحدة لتشابه وجهة نظره مع نظرة الإدارة الأمريكية في ضرورة تغيير المناهج الدينية الإسلامية وخاصة في السعودية علماً أن القمني وعلى لسانه كان ينادي بهذا التغيير لعقود سبقت الدعوة الأمريكية الحديثة التي نشأت عقب أحداث 11 سبتمبر 2001.

انتقده الكثيرون لاستناده على مصادر معترف بها من الأزهر فقط، حاول في كتبه مثل الحزب الهاشمي الذي بيعت 40،000 نسخة منه حتى قبل أن يطبع والدولة المحمدية وحروب دولة الرسول أن يظهر دور العامل السياسي في اتخاذ القرار الديني في التاريخ الإسلامي المبكر بينما يظهر في كتابه النبي إبراهيم تحليلات علمانية لقصص الأنبياء الأولين. أشهر مؤلفاته «رب هذا الزمان» (1997)، الذي صادره مجمع بحوث الازهر حينها وأخضع كاتبه لاستجواب في نيابة أمن الدولة العليا، حول معاني «الارتداد» المتضمَّنة فيه.

تصاعدت لهجة مقالات القمني ضد الإسلام السياسي وكان أكثر هذه المقالات حدّة ذاك الذي كتبه على أثر تفجيرات طابا في أكتوبر 2004. وكان عنوانه: «إنها مصرنا يا كلاب جهنم!»، هاجم فيه شيوخ ومدنيي الإسلام السياسي، وكتب: «أم نحن ولاية ضمن أمة لها خليفة متنكّر في صورة القرضاوي أو في شكل هويدي تتدخل في شؤون كل دولة يعيش فيها مسلم بالكراهية والفساد والدمار، ويؤكد وجوده كسلطة لأمة خفية نحن ضمنها». بعد هذا المقال، تلقى القمني العديد من التهديدات. إلى أن أتى التهديد الأخير باسم «أبو جهاد القعقاع» من «تنظيم الجهاد المصري»، يطالبه فيه بالعودة عن أفكاره وإلا تعرّض للقتل، فقد أهدر دمه ففي 17 يونيو 2005 أصدر تنظيم القاعدة في العراق رسالة تهديد وتم نشر رسالة التهديد على موقع عربي ليبرالي على الإنترنت تسمي نفسها شفاف الشرق الأوسط [1]. على الأثر كتبَ سيد القمني رسالة بعثها إلى وسائل الإعلام والى مجلته روز اليوسف، يعلن فيها توبته عن أفكاره السابقة وعزمه على اعتزال الكتابة، صوناً لحياته وحياة عياله. استقالة القمني الذي عبر عنها بقوله وبهذا اعلن استقالتي ليس من القلم وحسب، بل ومن الفكر أيضاً.

قرر القمني وحسب تعبيره ان يكون جنديا من نوع آخر وان يضع يده على جوهر و جذر المشكلة والتي لم تكن مشكلة إخفاق عسكري وحسب بل كانت حسب رأي القمني متأصلة في الإطار الفكري الإسلامي وليس في الإطار الفكري العروبي وفي خطوته الأولى نحو هدفه اعلن رفضه لفكرة ان الموروث الثقافي العربي يبدأ مع بدء الرسالة الإسلامية بل إنه مجموعة من التراكمات الثقافية و الحضارية لشعوب كانت في منطقة الشرق الأوسط قبل وبعد ظهور الإسلام، وانه من المستحيل لثقافة أو حضارة أن تتكون من نقطة إبتداء محددة معلومة، وأن تفكير البعض أن الثقافة العربية بدأت مع بدء الوحي أمر غير منطقي يجعل الإنسان يتصور بأنه لم يكن هناك أي دور للحضارات و الشعوب و الديانات والعوامل السياسية التي سبقت الإسلام في الصياغة والإعداد لظهور الإسلام.

@004

شارك بتعليق